أبي نعيم الأصبهاني

40

حلية الأولياء وطبقات الأصفياء

عليهم كذبهم وان أدبروا قطع دابرهم ولا يخاف منهم شيئا وإن أقبلوا قبل منهم . وان اللّه عز وجل لا يعطفه على الناس شيء من أمرهم إلا التضرع اليه حتى يرحمهم ، ولا يستخرج أحد من اللّه شيئا من الخير بحيلة ولا مكر ولا مخادعة ولا أوبة ولا سخط ولا مشاورة ، ولكن يأتي بالخير من اللّه رحمته . ومن لم يتبع الخير من قبل رحمته لا يجد بابا غير ذلك يدخل منه ، فان اللّه تعالى لا ينال الخير منه إلا بطاعته ، ولا يعطف اللّه على الناس شيء إلا تعبدهم له وتضرعهم اليه حتى يرحمهم ، فإذا رحمهم استخرجت رحمته حاجتهم من اللّه تعالى ، وليس ينال الخير من اللّه من وجه غير ذلك ، وليس إلى رحمة اللّه سبيل يؤتى من قبله إلا تعبد العباد له وتضرعهم اليه ، فان رحمة اللّه تعالى باب كل خير يبتغى من قبله ، وان مفتاح ذلك الباب التضرع إلى اللّه تعالى . فمن جاء بذلك المفتاح فتح لديه ، ومن أراد ان يفتح ذلك الباب بغير مفتاحه لم يفتح له ، وكيف ينفتح الباب من غير مفتاحه . وللّه عز وجل خزائن الخير كله ، وباب خزائن اللّه رحمته ، ومفتاح رحمة اللّه التضرع إليه . فمن حفظ ذلك المفتاح وجاء به فتح له الباب ودخل الخزائن ، ومن دخل الخزائن فله فيها ما تشتهى الأنفس وتلذ الأعين ، وفيها ما يشاءون وما يدعون في مقام امين ، لا يحولون عنها ولا يخافون ولا ينصبون فيه ولا يهرمون ولا يفتقرون فيه ولا يموتون ، في نعيم مقيم وأجر عظيم وثواب كريم نزلا من غفور رحيم . * حدثنا أبو عبد اللّه محمد بن أحمد بن علي بن مخلد ثنا الحارث بن أبي اسامة ثنا داود بن المحبر ثنا عباد بن كثير . وحدثنا أحمد بن السندي ثنا الحسن بن علوية القطان ثنا إسماعيل بن عيسى ثنا إسحاق بن بشر عن إدريس عن جده وهب بن منبه . قال : ما عبد اللّه عز وجل بشيء أفضل من العقل وما يتم عقل امرئ حتى تكون فيه عشر خصال ؛ أن يكون الكبر منه مأمونا ، والرشد فيه مأمورا ، يرضى من الدنيا بالقوت وما كان من فضل فمبذول ، والتواضع فيها أحب اليه من الشرف والذل فيها أحب اليه من العز ، لا يسأم من طلب العلم دهره ولا يتبرم من طالبى الخير ، يستكثر قليل المعروف من